محمد زاوي
حين تقف الجغرافيا على حافة التحولات الكبرى، تسقط الأقنعة وتتلاشى الشعارات؛ لتظل موازين القوى وحدها هي الحَكَم الذي لا يُحابي أحداً.على مدار عقود من الصراع الدامي في قلب المشرق، تعاقبت على قضية فلسطين أربع إيديولوجيات كبرى: من مقاومة المشايخ الأولى، إلى المدّ القومي التحرري، مروراً بالطرح اليساري الاشتراكي، وصولاً إلى تيار الإسلام الحركي. أدت كلٌّ منها شوطها التاريخي في حلبة ملتهبة، لتفسح المجال أمام موجة خامسة مغايرة شكلاً ومضموناً: تجربة ترفع لواء العقيدة في فضائها العام، وتدير أشرعتها بحسابات البراغماتية الصارمة على رقعة الشطرنج الجيوسياسية.لكن، ماذا يحدث حين تنكشف حدود المناورة بالوكالة وتصل نيران المواجهة إلى قلب الدائرة؟بين أروقة صنع القرار في طهران، وساحات الاشتباك الممتدة من غزة وبيروت إلى مضائق الطاقة الحيوية في هرمز وباب المندب، يقدم المفكر والباحث السياسي محمد زاوي تشريحاً بارداً، هادئاً، وخالياً من الانفعال لعالمٍ يُعاد تشكيله خلف الستار. هذا العمل لا يكتفي برصد الأحداث العاصفة التي أعقبت زلازل الشرق الأوسط الأخيرة، بل يغوص في العمق: كيف تُصاغ معادلات الردع بين طموحات 'ولاية الفقيه' وأطماع الهيمنة الإقليمية؟ وما الذي يحدث حين تتشابك مآلات القضية المركزية مع حسابات حرب عالمية هادئة تسعى لإسقاط الأحادية القطبية؟إنه كتاب للمستشرفين وأصحاب العقول اليقظة؛ لأولئك الذين يدركون أن الحقيقة السياسية لا تقبع في البيانات الرنانة، بل تختبئ في المساحات الدقيقة بين عقائد الأمس وحسابات الغد الجريئة