محمد العبدلاوي
بين صرير الأبواب الموصدة في ردهات المحاكم وهيبة الأحكام المصاغة بلغة باردة لا تعرف الالتفات، تقف حيوات كاملة معلقة على حافة الانتظار: أم تستميت للتشبث بطفلها، وقاصر تتنازعه دفاتر الشروط ومتاهات الأهلية، وأسر تتشظى في أروقة التنازع. هناك، خلف جدران لا يطالها عزل الصوت، يجلس المساعد الاجتماعي حاملاً أمانة 'أنسنة العدالة'؛ غير أنه يجد نفسه فجأة محاصراً في مفترق طرق موحش، متأرجحاً بين شرف الرسالة التحريرية وعجلة النسق البيروقراطي التي لا ترحم. هذا العمل ليس ترفاً أكاديمياً منعزلاً في بروج عاجية، ولا مرثية انطباعية باكية؛ بل هو إثنوغرافيا ذاتية مشتعلة تنفذ بجرأة نادرة إلى كواليس القضاء الإنساني. يقتحم الكاتب العوالم الصامتة لمكاتب المساعدة الاجتماعية، ليطرح أسئلة شائكة ومؤرقة: متى يتحول الدعم النفسي والحمائي إلى آلية ناعمة للضبط والمراقبة الطبقية؟ وكيف يمكن لتقرير اجتماعي، محكوم ببرود 'الاستئناس'، أن يرجح كفة مصير بشري كامل بجرة قلم؟ إنه كتاب يسبر أغوار المقاومة الذكية وسط مناخ العجز التنظيمي، مستنطقاً عثرات البدايات وطموح النماذج العيادية البديلة. نص إنساني نافذ، يضع القارئ أمام مرآة كاشفة لما يجري في تلك الزوايا المنسية من قاعات العدالة، حيث يظل الأمل معلقاً على إحداث الفارق... فارق قد يولد من قلب الخيبة، أو يظل وعداً ينتظر من يحرره.